الراقي المزيف على الإنترنت: 7 علامات تكشف المحتال قبل أن يبتزك

بقلم جلال درماج، خبير الأمن السيبراني في المغرب، ومؤسس Derfend IT
الراقي المزيف على الإنترنت هو أخطر من يطرق باب امرأة تمر بأزمة، لأنه لا يأتيها كغريب يطلب المال، بل كرجل دين يعرض عليها المساعدة. وخلال أكثر من 15 سنة من عملي في الأمن السيبراني ومكافحة الابتزاز، مرت علي حالات كثيرة بدأت كلها بنفس الطريقة تقريبا، امرأة تبحث عن حل لمشكلة في زواجها أو تأخر زواجها أو مرض لم تجد له تفسيرا، فتجد صفحة أو حسابا لشخص يقدم نفسه كراق أو معالج روحاني، وبعد أيام قليلة تجد نفسها رهينة لصور ومحادثات لم تتخيل يوما أنها سترسلها لأحد.
وقد كتبت من قبل مقالا مفصلا عن ابتزاز النساء بالسحر والشعوذة شرحت فيه كيف تبدأ هذه الجريمة وكيف تتطور، أما في هذا المقال فأريد أن أركز على سؤال واحد يصلني كثيرا: كيف أعرف أن هذا الراقي حقيقي أم نصاب قبل أن يفوت الأوان؟
لماذا انتشر الراقي المزيف على مواقع التواصل؟
لأن مواقع التواصل منحت المحتال كل ما كان ينقصه، فقبل سنوات كان على المشعوذ أن يجلس في مكان معروف ويستقبل الناس وجها لوجه، فيعرفه الجيران وتعرفه السلطات، أما اليوم فيكفيه حساب على فيسبوك أو إنستقرام أو تيك توك، وصورة لمصحف أو لرجل بلحية وعمامة، وبعض الآيات في المنشورات، ليبدو في عين الضحية شيخا وقورا. ولا يعرف أحد وجهه الحقيقي ولا مدينته ولا حتى بلده، فكثير من هذه الحسابات تدار من خارج المغرب، وبعضها يديره أشخاص لا علاقة لهم بالدين أصلا.
ويستفيد الراقي المزيف من شيء آخر مهم، وهو أن الضحية تتواصل معه في السر، فالمرأة التي تظن أن زوجها مسحور لا تخبر زوجها، والفتاة التي تبحث عن فك سحر تعطيل الزواج لا تخبر أمها، وهذه العزلة هي بالضبط ما يحتاجه المبتز ليعمل دون أن يوقفه أحد.
كيف يصطاد الراقي المزيف ضحاياه؟
يبدأ الأمر غالبا بإعلان ممول أو منشور ينتشر في المجموعات النسائية، فيه وعود مثل جلب الحبيب في ثلاثة أيام، أو فك السحر نهائيا، أو إرجاع الزوج الغائب، مع رقم واتساب أو رابط لحساب خاص. وعندما تراسله الضحية لا يطلب منها المال فورا، بل يسألها عن مشكلتها بصبر ولطف، ويسمعها أكثر مما سمعها أي شخص في حياتها، وهنا تبدأ الثقة.
ثم يأتي التشخيص، وهو دائما جاهز ومخيف، سحر مدفون أو عين قوية أو تابعة أو عمل معمول من امرأة قريبة. وتسمع الضحية جملا مثل “عندك التابعة، خاصني نشوف تصويرتك باش نعرف فين كاين العمل”، فترسل صورة لوجهها، وهي صورة تبدو بريئة ولا تثير أي شك.
وبعد الصورة الأولى تبدأ الطلبات تتدرج بهدوء، فيقول إن السحر ليس في الوجه بل في الجسد، وإنه يحتاج صورة لمكان الألم، ثم صورة أوضح، ثم فيديو قصيرا وهي تقوم بطقس معين بحجة أن العمل لا ينفك إلا هكذا. وفي كل مرحلة يطمئنها بأن هذا سر بينهما، وبأن إخبار أي أحد سيبطل العلاج، بل ويخيفها أحيانا بجملة مثل “ما تقولي لحتى واحد، العمل غادي يرجع عليك”.

7 علامات تكشف الراقي المزيف قبل أن يبتزك
1. يطلب صورك مهما كان السبب
هذه العلامة وحدها تكفي، فلا يوجد علاج شرعي حقيقي يحتاج صورة جسدك ولا فيديو لك، والرقية في أصلها قراءة للقرآن والأدعية، ولا تحتاج أن يراك الراقي أصلا. وأي شخص يطلب صورا بحجة تشخيص السحر أو معرفة مكان العمل فهو يجمع مادة للابتزاز، مهما بدا لطيفا ومتدينا.
2. يطلب منك السرية التامة
الراقي الحقيقي لا يخاف من أن تخبري زوجك أو أمك أو أختك، بل قد يطلب منك أن يحضر أحد محارمك، أما الراقي المزيف فيجعل السرية شرطا للعلاج، لأن السرية تعني أن لا أحد سيوقفه ولا أحد سينبهك.
3. يعدك بنتيجة سريعة ومضمونة
جلب الحبيب في ثلاثة أيام، أو رجوع الزوج خلال أسبوع، أو زواج مضمون قبل نهاية السنة، كلها وعود لا يملكها بشر، ومن يقدمها بهذه الثقة يبيعك أملا ليأخذ منك شيئا آخر.
4. لا تعرفين اسمه الحقيقي ولا مكانه
إذا كان الحساب بلا اسم كامل وبلا عنوان وبلا أي أثر خارج مواقع التواصل، وإذا رفض أن يلتقيك في مكان عام بحضور أحد من عائلتك، فأنت تتعاملين مع شخص يخفي نفسه لسبب واضح.
5. يطلب طقوسا غريبة أمام الكاميرا
عندما يطلب منك أن تقفي بطريقة معينة، أو أن تخلعي شيئا من ملابسك، أو أن تقومي بحركات يصورها أو يطلب منك تصويرها، فهذا ليس علاجا بل تصوير لمادة ابتزاز، وهذه تحديدا الفيديوهات التي رأيت الضحايا يدفعن ثمنها لشهور.
6. يغير المبلغ ويختلق مراحل جديدة
يبدأ بمبلغ صغير للبخور أو الأعشاب أو الذبيحة، ثم يخبرك أن العمل أقوى مما ظن، وأنه يحتاج مرحلة ثانية وثالثة، وكل مرحلة لها ثمن أعلى، وهذا أسلوب نصب معروف قبل أن يتحول إلى ابتزاز صريح.
7. يخيفك من التوقف
إذا قلت له إنك تريدين التوقف، فأخبرك أن السحر سينقلب عليك، أو أن أولادك سيصيبهم مكروه، أو أن الجن سيؤذيك، فاعلمي أن هذا تهديد مغلف بلغة دينية، والخطوة التالية غالبا ستكون التهديد بالصور.
من الرقية إلى الابتزاز: كيف يتحول الراقي المزيف إلى مبتز؟
اللحظة التي تتغير فيها لهجة الراقي المزيف تكون صادمة للضحية، فالرجل الذي كان يناديها “بنتي” ويدعو لها في كل رسالة، يرسل لها فجأة إحدى صورها مع رسالة قصيرة يطلب فيها مبلغا، وإلا ستصل الصورة لزوجها أو لإخوتها أو لكل أصدقائها على فيسبوك. وقد يكون أرسل لها قبلها لقطة شاشة لقائمة أصدقائها حتى يثبت أنه يعرف لمن سيرسل.
وهنا تقع أغلب الضحايا في الخطأ الأكبر، وهو الدفع، لأنهن يظنن أن المبلغ الأول سينهي الأمر، والحقيقة التي أراها في كل حالة تقريبا أن المبتز الذي يأخذ مرة يعود ليطلب أكثر، وأحيانا لا يطلب المال بل يطلب صورا جديدة أو لقاء، وكل خضوع يقوي موقفه ويضعف موقف الضحية.
وأعرف أن هذه اللحظة قاسية جدا، وأن بعض الضحايا يصلن إلى درجة من اليأس يشعرن فيها أن لا مخرج، ولهذا أقول لكل من تقرأ هذا الكلام وهي في هذا الموقف إن ما حدث لها ليس نهاية حياتها، وإنها ليست وحدها، وإن هناك من يستطيع مساعدتها فعلا، فتكلمي مع شخص تثقين به اليوم وليس غدا.
قضية من ملفاتنا
حكيت في [رابط داخلي: ابتزاز النساء بالسحر والشعوذة] قصة فتاة من الكويت أوهمها مشعوذ بأنها مسحورة بسحر تعطيل الزواج، وحين رفضت طلباته نشر صورها على حساب في إنستقرام خلال فترة الحجر الصحي، فعملنا على توثيق الحساب والتبليغ عنه حتى حذف. وما أريد أن ألفت إليه هنا هو أن هذه الفتاة لم تكن ساذجة كما قد يظن البعض، بل كانت متعلمة وواعية، لكن الراقي المزيف لا يستهدف الجهل بقدر ما يستهدف الألم، ومن يمر بأزمة عاطفية أو نفسية يكون أقل حذرا مهما كان مستواه.
وقعت في فخ الراقي المزيف، ماذا أفعل الآن؟
أول شيء هو أن تتوقفي عن الرد عليه وعن إرسال أي شيء جديد، دون أن تدخلي معه في نقاش أو توسل، فكل رسالة منك تعطيه إحساسا بالسيطرة. ثم لا تحذفي المحادثات ولا تحظريه قبل أن تأخذي لقطات شاشة لكل شيء، من اسم الحساب ورقمه ورابطه، إلى رسائل التهديد، إلى إيصالات أي مبلغ دفعته، لأن هذه هي الأدلة التي ستقوي شكايتك، وقد شرحت هذه الخطوات بالتفصيل في شخص يهددني بنشر صوري في المغرب: ماذا أفعل؟.
وبعدها قدمي شكاية لدى مصالح الأمن الوطني أو الدرك الملكي، أو عبر المنصات الرسمية التي شرحتها في رقم مكافحة الابتزاز في المغرب، ولا تخافي من أن تحاسبي على الصور، فأنت الضحية في هذه القصة والقانون يعاملك على هذا الأساس. وإذا كان المبتز قد نشر صورك فعلا، فهناك طرق للتبليغ عنها وحذفها شرحتها في حذف الصور من الإنترنت، وكلما تحركت أسرع كان الحذف أسهل.
وإذا كان الراقي المزيف ينشط بحساب يحمل اسم شخص آخر أو ينتحل صفة شيخ معروف، فيمكن أيضا التبليغ عنه كحساب منتحل كما شرحت في حذف حساب مزيف باسمي، وهذا يحمي ضحايا آخرين قد يقعون في نفس الفخ.
كيف تحمين نفسك وأهلك من الراقي المزيف؟
القاعدة الأولى بسيطة ولا تحتمل الاستثناء، وهي ألا ترسلي صورك لأي شخص يقدم نفسه كراق أو معالج على الإنترنت، مهما كان عدد متابعيه ومهما بدا صادقا. وإذا كنت تحتاجين الرقية فعلا، فاطلبيها من شخص معروف في مدينتك، بحضور أحد من عائلتك، وفي مكان تعرفينه.
أما إذا كنت أما أو أبا أو أخا، فأهم ما تستطيع فعله هو أن تجعل البيت مكانا آمنا للكلام، فأغلب الضحايا اللواتي تواصلن معنا قلن إن أكبر خوف كان من ردة فعل العائلة وليس من المبتز نفسه. والفتاة التي تعرف أن أهلها سيقفون معها إذا أخطأت ستخبرهم عند أول رسالة مريبة، أما التي تخاف من اللوم فستدفع للمبتز شهورا وهي تخفي الأمر.
ماذا يقول القانون المغربي؟
القانون المغربي يجرم التهديد والابتزاز والمس بالحياة الخاصة للأشخاص ونشر صورهم دون إذنهم، كما يعاقب على النصب والاحتيال، وهي كلها أفعال يرتكبها الراقي المزيف عادة في نفس القضية. وقد فصلت العقوبات في عقوبة الابتزاز الإلكتروني في المغرب، ولمعرفة الصورة الكاملة لطرق الحماية والتبليغ، اقرئي مكافحة الابتزاز الإلكتروني في المغرب.
أسئلة شائعة حول الراقي المزيف
هل كل راق على الإنترنت نصاب؟
ليس بالضرورة، لكن أي راق يطلب صورا أو فيديوهات أو سرية تامة أو مبالغ متزايدة فهو نصاب مهما كان مظهره، والأسلم دائما أن تكون الرقية وجها لوجه بحضور أحد المحارم.
أرسلت صورة لوجهي فقط، هل أنا في خطر؟
صورة الوجه وحدها أقل خطرا، لكنها قد تستعمل في التزييف العميق أو في إنشاء حساب مزيف باسمك، فتوقفي عن التواصل معه فورا، وراقبي حساباتك، ولا ترسلي أي شيء آخر.
دفعت له مبلغا ثم بدأ يهددني، هل أدفع مرة أخرى؟
لا، فالدفع لا ينهي الابتزاز بل يطيله، واحتفظي بإيصالات ما دفعته لأنها دليل مهم في الشكاية.
هل يمكن أن أتابع قانونيا لأني أرسلت الصور بنفسي؟
أنت الضحية في هذه الحالة، والصور أخذت منك بالخداع ثم استعملت لتهديدك، والشكاية ضد المبتز هي الطريق الصحيح لحماية نفسك.
الراقي المزيف موجود خارج المغرب، هل يمكن فعل شيء؟
نعم، فالشكاية تبقى ممكنة، والتبليغ للمنصات يعمل مهما كان مكان المبتز، وقد تعاملنا في Derfend IT مع حالات كان فيها المبتز مقيما في الخارج.
الراقي المزيف يعيش على صمتك
الراقي المزيف لا يعتمد على قوة السحر، بل على قوة السرية والخوف، وفي اللحظة التي تكسرين فيها هذه السرية وتخبرين شخصا تثقين به أو جهة مختصة، يفقد أهم سلاح عنده. فإذا كنت تمرين بهذا الموقف الآن، فلا تدفعي، ولا تحذفي الأدلة، ولا تواجهي الأمر وحدك.
وفي Derfend IT نساعد ضحايا الابتزاز على توثيق الأدلة والتبليغ وحذف المحتوى المنشور، بسرية تامة ودون أحكام، فراسلينا وسنسمعك أولا.

أول سؤال تطرحه علي كل ضحية ابتزاز ليس كيف أحذف الصور، بل هل سيعاقب المبتز فعلا، وهل سأتعرض أنا للمساءلة لأني أرسلت الصور. في هذا المقال أشرح بلغة بسيطة ما يقوله القانون الجنائي المغربي عن الابتزاز الإلكتروني، والعقوبات المقررة، ومتى تشدد، وكيف تقدم شكاية بالطريقة الصحيحة.
